15 نوفمبر 2025
يشهد سباق اختيار الأمين العام للأمم المتحدة مرحلة غير مسبوقة من الاهتمام السياسي والدبلوماسي، مع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش وبدء العدّ التنازلي لانتخابات 2026. لكن ما يميز هذا السباق ليس فقط الأسماء المطروحة، بل السياق الدولي المضطرب والضغوط المتزايدة لإعادة تعريف شروط القيادة في المنظمة.
أولاً: أزمة شرعية متراكمة… وطلبٌ متزايد على الشفافية
منذ إنشاء المنصب عام 1946، ظل اختيار الأمين العام عملية مغلقة تتحكم بها إلى حد كبير الدول الخمس دائمة العضوية، رغم أن المنصب يمثل، نظريًا، “ضمير المجتمع الدولي”. ومع أن الجمعية العامة أقرت قواعد جديدة للشفافية في سبتمبر الماضي، فإن القرار النهائي لا يزال محتجزًا داخل دائرة الفيتو، إذ يتطلب المرشح دعم 9 أعضاء من مجلس الأمن دون اعتراض من أي من الدول الخمس الكبرى.
هذه التركيبة التاريخية أصبحت اليوم محلّ جدل واسع، إذ ترى دول من الجنوب العالمي أن استمرار هذه الآلية لا يعكس التوازن الدولي الحديث، وتعتبر منظمات المجتمع المدني أن تغييب المرأة عن هذا المنصب لأكثر من سبعة عقود أصبح أمرًا غير مقبول سياسيًا وأخلاقيًا.
ثانيًا: تنازع إقليمي بين أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية
في قلب المشهد الانتخابي، يبرز تنازعٌ بين مجموعتين إقليميتين:
1. أوروبا الشرقية — لم تشغل المنصب منذ تأسيس الأمم المتحدة، وتعتبر أن “دورها المستحق” قد تأخر.
2. أمريكا اللاتينية والكاريبي — لم تقدم أمينًا عامًا منذ 34 عامًا، وتملك هذا العام واحدة من أقوى المجموعات من المرشحات والمرشحين.
توازن القوى هذا، الذي كان يمكن التفاوض حوله في ظروف أكثر هدوءًا، أصبح اليوم معقدًا بفعل عودة الاستقطاب الدولي، وحرب أوكرانيا، وتراجع الثقة العالمية في المؤسسات متعددة الأطراف.
ثالثًا: تأثير التحولات في واشنطن على مسار السباق
يلعب الموقف الأمريكي دورًا محوريًا دائمًا في مثل هذه الانتخابات، غير أن احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يعيد رسم الحسابات بالكامل. إذ إن التوجه الدولي الذي كان يدفع باتجاه اختيار امرأة من أمريكا اللاتينيةقد يتأثر برغبة إدارة ترامب—إن عادت—في دعم شخصية أكثر تحفظًا أو توافقًا مع رؤيتها للعلاقات الدولية.
هذا العامل وحده كفيل بإعادة تشكيل خريطة التحالفات، وفتح الباب أمام مرشحين من خارج التوقعات التقليدية.
رابعًا: قراءة في خريطة المرشحين
السباق الحالي لا يضم أسماء عابرة، بل شخصيات تمتلك سجلات دبلوماسية وإدارية ثقيلة:

أبرز المرشحات والمرشحين المُعلنين:
من بينهن ميشيل باشيليت من (تشيلي): ، الرئيسة السابقة والمفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتشمل خبرتها العمل كأول مديرة تنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة. وقد أيّد رئيس تشيلي، غابرييل بوريك، ترشيحها رسميًا، قائلاً: “المساواة ليست لفتة رمزية؛ بل تُحسّن الفعالية والشرعية”.
يترشح أيضًا، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي من الأرجنتين الذي بُنيت حملته على خبرته في الأمن النووي ودبلوماسية الأزمات. غروسي، الذي أكد ترشحه رسميًا في أغسطس في مؤتمر صحفي بواشنطن، قال إنه لا يعتقد أن الجنس يجب أن يكون عاملاً حاسمًا في السباق.
ريبيكا غرينسبان (كوستاريكا): من كوستاريكا، الأمينة العامة للأونكتاد، شخصية رئيسية. تشمل مؤهلاتها العمل كنائبة لرئيس بلادها والمساعدة في التفاوض على مبادرة حبوب البحر الأسود، وهي الاتفاقية السابقة لضمان التصدير الآمن للحبوب والمواد الغذائية من ثلاثة موانئ في أوكرانيا. يؤكد برنامجها صراحةً على الحاجة إلى إصلاح متعدد الأطراف.
ديفيد تشوكيهوانكا نائب رئيس بوليفيا، يضيف بُعدًا سياسيًا من أمريكا الجنوبية، لكنه قد يواجه صعوبة في حصد توافق واسع.
برونو دونات (موريشيوس): دبلوماسي في الأمم المتحدة، يمثل المجموعة الأفريقية تقليديًا، لكن حظوظه مرتبطة بتوافقات داخل القارة وخارجها.
أسماء مرشحة محتملة متداولة خلف الكواليس:
ويكمل القائمة المعلنة ديفيد تشوكيهوانكا، نائب رئيس بوليفيا، وبرونو دونات من موريشيوس، وهو دبلوماسي في الأمم المتحدة من المجموعة الأفريقية. يتسع نطاق المرشحات المحتملات أيضًا، حيث تُذكر رئيسة وزراء باربادوس ميا موتلي، ووزيرة البيئة المكسيكية أليسيا بارسينا، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن، بشكل متكرر في الأوساط الدبلوماسية. ومن بين المرشحات المحتملات الأخريات اللواتي وردت أسماؤهن في الصحافة: أمينة محمد، نائبة الأمين العام من نيجيريا والمملكة المتحدة؛ وكريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من بلغاريا؛ وأخيم شتاينر، المدير الألماني البرازيلي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ وفوك يريميتش، وزير خارجية صربيا السابق والرئيس السابق للجمعية العامة؛ وماريا فرناندا إسبينوزا غارسيس من الإكوادور، الرئيسة السابقة للجمعية العامة.
خامسًا: إرث غوتيريش… ومعركة إدارة أم معركة رؤية؟
يترك غوتيريش وراءه سجلًا معقدًا:
• نجاح في إصلاحات داخلية وتحقيق التكافؤ بين الجنسين.
• قيادة صريحة للملف المناخي جعلته صوتًا عالميًا في هذا المجال.
• لكنه في المقابل واجه انتقادات بسبب حياده تجاه الانتهاكات الكبرى التي ارتكبتها الدول
الخمس الدائمة العضوية، وهو ما يراه المؤيدون “براجماتية ضرورية” ويعتبره المعارضون “تنازلًا عن السلطة الأخلاقية”.
المرشح القادم سيرث عالمًا أقل استقرارًا، وأممًا أكثر انقسامًا، ومنظمة بحاجة لإعادة تعريف دورها في مواجهة الأزمات المناخية والأمنية والاقتصادية.
سادسًا: إلى أين يتجه السباق؟
المرحلة المقبلة ستشهد:
• جلسات استماع علنية للمرشحين.
• اقتراعات سرية متعددة داخل مجلس الأمن، قد تمتد لأسابيع أو أشهر.
• صفقات وتوافقات بين كتل إقليمية صاعدة وقوى كبرى لا تزال تملك مفاتيح اللعبة.
في الجوهر، هذا السباق ليس مجرد اختيار إداري رفيع، بل اختبارٌ لمستقبل الأمم المتحدة نفسها: هل ستستجيب لمطالب التغيير؟ أم أن قواعد الخمس الكبار ستفرض مرة أخرى واقعًا معادًا للدورات السابقة؟


